الجاحظ
385
الحيوان
العلة ، ولم تكن للدّيك الموصوف بأنّه فوق الأسطرلاب فضيلة ليست للحمار . وعلى أنّ الحمار أبعد صوتا ، وقد بلغ من شدّة صوته ما إن حلف أحمد بن عبد العزيز : إنّ الحمار ما ينام ! قيل له : وما ذاك ؟ قال : لأنّي أجد صياحه ليس بصياح شيء انتبه تلك الساعة ، ولا هو صياح من يريد أن ينام بعد انقضاء صياحه ! . هذا والحمار هو الذي ضرب به القرآن المثل في بعد الصوت ، وضرب به المثل في الجهل ، فقال : كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً « 1 » . فلو كان شيء من الحيوان أجهل بما في بطون الأسفار من الحمار ، لضرب اللّه المثل به دونه . وعلى أنّ فيه من الخصال ما ليس في الديك ، وذلك أنّ العرب وضعته من الأمثال التي هي له في عشرة أماكن ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كلّ الصّيد في جوف الفرا » « 2 » وكفاك به مثلا إذا كان لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في تفضيل هداية أبي سفيان . وقال العرب : « أنكح من الفرأ » « 3 » . والفرأ مهموز مفتوحة الفاء مجموعه فراء ، قال الشاعر : [ من الطويل ] بضرب كآذان الفراء فضوله * وطعن كإيزاغ المخاض تبورها « 4 » وتقول العرب : « العير أوقى لدمه » « 5 » . وقولهم : « من ينك العير ينك نيّاكا » « 6 » . وقالوا : « الجحش إذا فاتتك الأعيار » « 7 » وقالوا : « أصبر من عير أبي
--> ( 1 ) . 5 / الجمعة : 62 . ( 2 ) انظر خبر الحديث في الأغاني 6 / 345 - 346 ، وهو حديث قاله صلى اللّه عليه وسلم في أبي سفيان ، وهو في مجمع الأمثال 2 / 136 ، وجمهرة الأمثال 3 2 / 136 ، 162 ، والمستقصى 2 / 224 ، وفصل المقال 10 ، وأمثال ابن سلام 35 ، والبيان 2 / 16 ، وتقدم الحديث في الفقرة ( 243 ) . ( 3 ) في مجمع الأمثال 2 / 335 ، وجمهرة الأمثال 1 / 10 ، 165 ( أنكحنا الفرا فسنرى ) ، وفي المستقصى 1 / 400 ( أنكحنا الفرا فسوف نرى ) . ( 4 ) البيت لمالك بن زغبة الباهلي في اللسان والتاج ( فرأ ، بور ، وزغ ) ، والتنبيه والإيضاح 1 / 24 ، وأساس البلاغة ( فرأ ) ، وللباهلي في البرصان 291 ، وبلا نسبة في المقاييس 1 / 317 ، والتهذيب 8 / 164 ، 15 / 240 ، 266 ، والمخصص 8 / 46 ، 15 / 144 ، والعين 4 / 434 ، 8 / 286 . ( 5 ) مجمع الأمثال 2 / 13 ، والمستقصى 1 / 336 ، وأمثال ابن سلام 219 ، وجمهرة الأمثال 2 / 55 . ( 6 ) المثل في مجمع الأمثال 2 / 305 ، والمستقصى 2 / 364 ، وهو من الرجز في اللسان والتاج ( نوك ) . يضرب مثلا لمن يغالب الغلاب . ( 7 ) مجمع الأمثال . 1 / 165 ، والمستقصى 1 / 309 ، وأمثال ابن سلام 235 ، يضرب لمن يطلب الأمر الكبير فيفوته .